ابراهيم بن عمر البقاعي
412
نظم الدرر في تناسب الآيات والسور
بعده ، فصدقتموهم في جميع ما يأمرونكم به وَعَزَّرْتُمُوهُمْ أي ذببتم عنهم ونصرتموهم ومنعتموهم أشد المنع ، والتعزير والتأزير من باب واحد . ولما كان من أعظم المصدق للإيمان ونصر الرسل بذل المال فهو البرهان قال : وَأَقْرَضْتُمُ اللَّهَ أي الجامع لكل وصف جميل قَرْضاً حَسَناً أي بالإنفاق في جميع سبل الخير ، وأعظمها الجهاد والإعانة فيه للضعفاء . ولما كان الإنسان محل النقصان ، فهو لا ينفك عن زلل أو تقصير وإن اجتهد في صالح العمل ، قال سادّا . بجواب القسم الذي وطّأت له اللام الداخلة على الشرط - مسدّ جواب الشرط : لَأُكَفِّرَنَّ أي لأسترن عَنْكُمْ سَيِّئاتِكُمْ أي فعلكم لما من شأنه أن يسوء وَلَأُدْخِلَنَّكُمْ أي فضلا مني جَنَّاتٍ تَجْرِي ولما كان الماء لا يحسن إلا بقربه وانكشافه عن بعض الأرض قال : مِنْ تَحْتِهَا الْأَنْهارُ أي من شدة الريّ فَمَنْ كَفَرَ ولما كان اللّه سبحانه لا يعذب حتى يبعث رسولا . وكان المهلك من المعاصي بعد الإرسال ما اتصل بالموت فأحبط ما قبله ، نزع الجار فقال : بَعْدَ ذلِكَ أي الشرط المؤكد بالأمر العظيم الشأن مِنْكُمْ أي بعد ما رأى من الآيات وأقرّ به من المواثيق فَقَدْ ضَلَّ أي ترك وضيّع ، يستعمل قاصرا بمعنى : حار ، ومتعديا كما هنا سَواءَ أي وسط وعدل السَّبِيلِ * أي لأن ذلك كفر بعد البيان العظيم فهو أعظم من غيره ، وفي هذا تحذير شديد لهذه الأمة ، لأن المعنى : فإن نقضتم الميثاق - كما نقضوا - بمثل استدراج شاس بن قيس وغيره ، صنعنا بكم ما صنعنا بهم حين نقضوا ، من إلزامهم الذلة والمسكنة وغير ذلك من آثار الغضب ، وإن وفيتم بالعقود آتيناكم أعظم مما آتيناهم من فتح البلاد والظهور على سائر العباد ؛ قال ابن الزبير : ولهذا الغرض واللّه أعلم - أي غرض التحذير من نقض العهد - ذكر هنا العهد المشار إليه في قوله تعالى وَأَوْفُوا بِعَهْدِي [ البقرة : 40 ] فقال تعالى : وَلَقَدْ أَخَذَ اللَّهُ مِيثاقَ بَنِي إِسْرائِيلَ إلى قوله فَقَدْ ضَلَّ سَواءَ السَّبِيلِ [ المائدة : 12 ] ثم بين نقضهم وبنى اللعنة وكل محنة ابتلوا بها عليه فقال فَبِما نَقْضِهِمْ مِيثاقَهُمْ [ النساء : 55 والمائدة : 13 ] وذكر تعالى عهد الآخرين فقال وَمِنَ الَّذِينَ قالُوا إِنَّا نَصارى أَخَذْنا مِيثاقَهُمْ [ المائدة : 14 ] ، ثم فصل تعالى للمؤمنين أفعال الفريقين ليتبين لهم ما نقضوا فيه من ادعائهم في المسيح ما ادعوا ، وقولهم نحن أبناء اللّه وأحباؤه ، وكفهم عن فتح الأرض المقدسة ، وإسرافهم في القتل وغيره ، وتغييرهم أحكام التوراة - إلى غير ذلك مما ذكره في هذه السورة ، ثم بين تفاوتهم في البعد عن الاستجابة فقال تعالى : لَتَجِدَنَّ أَشَدَّ النَّاسِ عَداوَةً لِلَّذِينَ آمَنُوا [ المائدة : 82 ] انتهى . وينبغي ذكر النقباء من هذه الفرق الثلاث بأسمائهم وما دعي إلى